تدبر القرآن
بعد التحميد :
عباد الله، فإن نعم الله علينا أهل الإسلام لا تحصى، ومن النعم العظيمة والآلاء الجسيمة أن من الله علينا ببعثة رسول الله محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين، وأنزل عليه القرآن الكريم. [لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ]. (آل عمران : 164)
عباد الله، إن القرآن مفتاح للعلم والسعادة، مفتاح للعزة والظهور، ومفتاح لحل كل النزاعات والخلافات بين المسلمين، ومفتاح الثبات في زمن تلاطم الأفكار وتغير المفاهيم، مفتاح الثبات في زمن مواجهة الفتن والشبهات، ولكن …ولكن …ولكن لن نصل إلى كنوز القرآن إلا إذا فهمنا معانيه وأدركنا مراده ومراميه, وذلك لا يتأتى إلا بمدارسة القرآن وتلاوته بالتدبر، قال تعالى : [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] (محمد : 24)
عباد الله ليس المقصود من تلاوة القرآن مجرد تلاوة اللفظ فحسب بدون فهم أو بيان، فالله تعالى يقول : [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ] ( ص : 29)
وذم الله الذين لا يعلم من القرآن إلا الأماني وهي مجرد التلاوة، فقال تعالى : [وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ] (البقرة : 78) قال الشوكاني : وقيل …الأماني : التلاوة …أي لا علم لهم إلا مجرد التلاوة ولا تفهم وتدبر. (فتح القدير للشوكاني : 1 / 104)
روى حذيفة رضي الله عنه أنه صلى مع النبي ذات ليلة فكان يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيه تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. (روا مسلم)
فهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر، ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.
يقول ابن القيم : …فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مائة مرة ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن…فقراءة بالتفكر هي أصل صلاح القلب. (مفتاح دار السعادة 1/187)
إذن فليكن همنا عند تلاوة للسورة إذا افتتحناها : متى نفهم هذه الآية؟ متى نتعظ؟ متى نعتبر؟ وليس مراده : متى نختم السورة؟ لأن تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة.
أقول قولي هذا وأستغر الله لي ولكم، واستغفروا إنه هو الغفور الرحيم
بعد التحميد :
قال سفيان الثوري : ليس في كتاب الله آية أشد عليّ من قوله تعالى[ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ] (المائدة : 68 ) وإقامتها : فهمها والعمل بها. ( كباب البدع والحوادث ص 101 )
كما وجَّه الله تعالى الخطاب لأهل الكتاب بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل ، فأهل القرآن كذلك ، ليسوا على شيء حتى يقيموا القرآن ، ويكونوا بحق من أهل القرآن الذين وصفهم عليه الصلاة والسلام ، بأنهم أهل الله وخاصته.
روى ابن ماجة (215) وأحمد (11870) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [[ إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ ]] قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هُمْ ؟ [[ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ ]] وصححه الألباني في “صحيح ابن ماجة” .
وقد اصطلح المتأخرون على تسمية الحفاظ بأهل القرآن ، وذلك لحفظهم ألفاظه فقط ، أما من فهمه ولم يحفظه فليس من أهل القرآن !! والصواب هو أن أهل القرآن هم العالمون به، القارئون له، العاملون بأحكامه، ولو لم يكونوا من حفاظه.
يقول ابن القيم رحمه الله : أهل القرآن هم العالمون به، العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه، ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم . انتهى كلامه .
قال المناوي رحمه الله ” أي حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله المختصون به اختصاص أهل الإنسان به سموا بذلك تعظيما لهم كما يقال : “بيت الله” .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن وخاصته، إنه هو قريب مجيب الدعوة.
Posted on Januari 12, 2012, in Kutbah jumat. Bookmark the permalink. Tinggalkan sebuah Komentar.

Tinggalkan sebuah Komentar
Komentar (1)